الشيخ أحمد بن علي البوني

77

شمس المعارف الكبرى

وسريان الثاء دونه ، وليس لها خاصة إلا في عالم الأجسام السفلية ، وهي حرف بارد يابس ، وهو كالأرض والأوتاد أعني : الجبال . وحرف الفاء يابس يتصرف فيه حرف الحرارة وهي الدرجة الخامسة من الحرارة ، وشكله معتبر في حرف الألف إلا اسمه الفاطر الفالق . والشين باردة ، وسره سر الشين وتصريفه ، وليس في حروف المعجم من له ثلاث علامات وثلاث أشكال إلا هو ، والشين جمع ذات رتبة الآحاد والعشرات ، ووضعت الشين في شهد اللّه ، وتفرع منها ثلاث : شهادة الملائكة ، وشهادة أولي العلم ، وشهادة من سوى أولي العلم ، ولذلك خلق رتبة العلم بين أداء التوحيد الأعلى من الحق إلينا ، والتوحيد الذي ظهر في أثناء الشهادة للّه تعالى ، واجتمع التوحيد كله في العرش أعني أنوار التوحيد ، ولذلك نبه عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيمن يذكر « لا إله إلا اللّه أنها تصعد إلى العرش ، ويهتز العرش لها فيقول اللّه له : اسكن . فيقول : حتى تغفر لقائلها » وذلك أن اللّه تعالى جلت قدرته لما علم أن العباد لا يتصور في أذهانهم ولا يكيف في عقولهم نصب لهم مخلوقا منهم جعله في أعلى المقامات وأشرف المخلوقات ، وأضافه لنفسه قال تعالى ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ كالحاجب للملك الذي لا يصل إلى مشاهدته ، ويدل على وجود الملك وثبوته وعزه وسلطانه . ألا ترى ما نبه عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله ان اللّه تعالى كتب كتابا وجعله فوق عرشه فيه ان رحمتي سبقت عذابي وقوله صلى اللّه عليه وسلم في سعد بن معاذ الأنصاري اهتز العرش لموته رضي اللّه تعالى عنه ، فهذا يدل على ما يظهر من استقامة الفرد في عرشه لتعلم أن العرش يظهر فيه آثار القدرة من العدم ، فلذلك كانت الشين آخر حروف العرش وهي من توحيد العوالم المفردة . ولما كان ترتيب العرش مرتبا لكل عرش عرشا ، فكانت الشين عرش الحروف وذلك لعلو منصبه وعلوّ مرتبته لا يوجد في الحروف ما يكمل عروشها إلا حرف الألف لأنه أصل شجرة الحروف ، والشين إليها انتهاء الحروف وممزوجها ، ولا يكون بعدها فرع إلا من باطنها ، فكذلك الألف لا يكون قبلها إلا هو منها ، ولما كان شكل الشين كشكل الألف كانت المناسبة السنية الشكلية مشتركة وإلا منبسطة في ثلاثة أحرف هكذا : ش ي ن نسبة كنسبته ، وإن كان غير الشين مركبا من ثلاثة أحرف لا يكون عرشه كعرش الشين لأنه لا ينتهي إلى غاية المناسبة في قوله يُشْهِدُ اللَّهَ إشارة إلى رسوخ التوحيد وعدم الوجود إلى الدارين والعالمين . والشين كرسي لعرش الألف لأن كل لطيف عرش ، وكل كثيف كرسي ، ولا يبعد أن يكون الكرسي هو الحامل للعرش ، لأنك ترى الميم كرسي لعرش الشين . وفي الحقيقة أن كل لطيف قائم بكل كثيف ، ولذلك كانت الألف أخف الحروف وألطفها لعدم التشبيه ، وأمامها نظر قائم ولا تشبه لها في الآحاد الحرفية ، ولا يعرف غايتها من غيرها ولا يتقدم غيرها ولا يتأخر عنها في آخر الكلمة ، فهي تشير إلى الأولية والآخرية لأن عالم الكرسي أليق بالإضافة إلى عالم العرش ، ألا ترى أن الكرسي محل الصور ، والعرش محل الأنوار المفاضة إلى آخر العالم ، والألف جهات الآحاد والعشرات والمئين ، والشين أماله جهتهما إلى حرف الشين ، إذا تعدى عن اللفظ كان سببا ، والشين ثلاثمائة وجه في الألوف ، وذلك أن من تأمل حرف الشين علم حقائقه وعجائب مصنوعات اللّه تعالى وشاهد أسرار تصريف الحروف هكذا .